الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

تنقيح المقال 418

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

قال فلمّا فرغ من انشادها قام أبو الحسن ( ع ) فدخل منزله وبعث اليه بخرقة خزّ فيها ستّمائة دينار وقال للجارية قولي له يقول لك مولاي استعن بهذه على سفرك واعذرنا فقال لها دعبل لا واللّه ما هذا أردت ولا له خرجت ولكن قولي له هب لي ثوبا من ثيابك فردّها عليه أبو الحسن ( ع ) وقال له خذها وبعث اليه بجبّة من ثيابه فخرج دعبل حتّى ورد قم فنظروا إلى الجبّة فاعطوه فيها ألف دينار فأبى عليهم قال لا واللّه ولا خرقة منها بألف دينار ثمّ خرج من قم فاتبعوه واجمعوا عليه واخذوا الجبّة فرجع إلى قم وكلّهم فيها فقالوا ليس إليها سبيل ولكن ان شئت فهذه ألف دينار فقال نعم وخرقة منها فاعطوه ألف دينار وخرقة منها انتهى وقد مرّ في ترجمة أويس القرني ذكره أيضا وأقول ما نقله الكشي ره مرسل وقد روى القضيّة في العيون مسندة مع زيادات قال حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن هشام المؤدّب وعلىّ بن عبد اللّه الورّاق رض عن علىّ بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن عبد السّلام بن صالح الهروي قال دخل دعبل بن علي الخزاعي على أبى الحسن علىّ بن موسى الرّضا ( ع ) بمرو فقال يا بن رسول اللّه انّى قد قلت فيكم قصيدة واليت على نفسي ان لا انشدها أحدا قبلك فقال ( ع ) هاتها فأنشد مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحى مقفر العرصات فلمّا بلغ إلى قوله أرى فيئهم في غيرهم متقسّما * وأيديهم من فيئهم صفرات بكى أبو الحسن ( ع ) وقال صدقت يا خزاعي فلمّا بلغ إلى قوله إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم * اكفّا عن الأوتار منقبضات جعل أبو الحسن ( ع ) يقلّب كفيّه ويقول اجل واللّه منقبضات فلمّا بلغ إلى قوله لقد خفت في الدّنيا وايّام سعيها * وانّى لأرجو الأمن بعد وفاتي قال الرّضا ( ع ) امنك اللّه يوم الفزع الأكبر ثمّ نهض الرّضا ( ع ) بعد فراغ دعبل من انشاد القصيدة وامره ان لا يبرح من موضعه فدخل ( ع ) الدّار فلمّا كان بعد ساعة خرج الخادم اليه بمائة دينار رضويّة فقال له يقول لك مولاي اجعلها في نفقتك فقال دعبل واللّه ما لهذا جئت ولا قلت هذه القصيدة طمعا في شئ يصل إلى وردّ الصّرة وسئل ثوبا من ثياب الرّضا ( ع ) ليتبرّك به ويتشرّف به فانفذ اليه الرّضا ( ع ) جبة خزّ مع الصرّة وقال للخادم قل له خذ هذه الصرّة فانّك ستحتاج إليها ولا تراجعني فيها فاخذ دعبل الصرّة والجبّة وسار من مرو في قافلة فلمّا بلغ ميان قوهان وقع عليهم اللّصوص فاخذوا القافلة بأسرها وكتّفوا أهلها وكان دعبل فيمن كشف وملك اللّصوص القافلة وجعلوا يقتسمونها بينهم فقال رجل من القوم متمثّلا بقول دعبل أرى فيئهم في غيرهم متقسّما * وأيديهم من فيئهم صفرات فسمعه دعبل فقال له لمن هذا البيت فقال له لرجل من خزاعة يقال له دعبل بن علي فقال دعبل انا دعبل قائل هذه القصيدة الّتى منها هذا البيت فوثب الرّجل إلى رئيسهم وكان يصلّى على راس تلّ وكان من الشّيعة فأخبره فجاء بنفسه حتى وقف على دعبل وقال له أنت دعبل فقال نعم فقال انشد القصيدة فأنشدها فحلّ كتافه وكتاف جميع أهل القافلة وردّ عليهم جميع ما اخذ منهم لكرامة دعبل وسار دعبل حتى وصل إلى قم فسئله أهل قم ان ينشدهم القصيدة فامرهم ان يجتمعوا في المسجد الجامع فلمّا اجتمعوا صعد المنبر فانشدهم القصيدة فوصله الناس من المال والخلع بشئ كثير واتّصل بهم خبر الجبّة إلى اخر ما مرّ نقله عن الكشّى ثمّ زاد أيضا وانصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللصوص قد اخذوا جميع ما كان في منزله فباع المائة دينار الّتى كان الرّضا ( ع ) وصله بها من الشّيعة كلّ دينار بمائة درهم فذكر قول الرّضا ( ع ) انّك ستحتاج إلى الدّنانير وكانت له جارية لها من قلبه هوى فرمدت رمدا عظيما فادخل أهل الطّب عليها فنظروا إلى عينها فقالوا امّا العين اليمنى فليس لنا فيها حيلة وقد ذهبت وامّا اليسرى فنحن نعالجها ونجتهد ونرجو ان تسلم فاغتمّ لذلك غمّا شديدا وجزع جزعا عظيما ثمّ انه ذكر ما كان معه من وصلة الجبّة فمسحها على عيني الجارية وعصّبها بعصابة من اوّل الليل فأصبحت وعيناها اصحّ ما كانت ببركة أبى الحسن الرّضا ( ع ) قلت في مجموع ما اشتمل عليه من الحسن والجلالة والجاه والعظمة بين الشّيعة وعند الرّضا ( ع ) ما لا يخفى وقد روى فيه أيضا ما يؤيّد ذلك قال حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني عن علىّ بن إبراهيم عن أبيه عن عبد السّلام بن صالح الهروي قال سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول أنشدت مولاي علىّ بن موسى الرّضا ( ع ) قصيدتي الّتى اوّلها مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحى مقفر العرصات ثم ذكر بعضها منها فقال بكى الرّضا ( ع ) بكاء شديدا ثمّ رفع رأسه إلى فقال لي يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين الحديث وروى محمّد بن عبد الجبّار في مشكاة الأنوار انّه لمّا قرء دعبل قصيدته المعروفة على الرّضا ( ع ) وذكر الحجّة عجّل اللّه تعالى فرجه بقوله فلو لا الّذى أرجوه في اليوم اوغد * تقطّع نفسي اثرهم حسرات خروج امام لا محالة خارج * يقوم على اسم اللّه والبركات يميّز فينا كلّ حق وباطل * ويجزى على النّعماء والنّقمات وضع الرّضا ( ع ) يده على رأسه وتواضع قائما ودعى له بالفرج وفي العيون أيضا انّه لما وصل إلى قوله وقبر ببغداد لنفس زكيّة * تضمّنها الرحمن في الغرفات قال ( ع ) أفلا الحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك قال بلى فقال ( ع ) وقبر بطوس يا لها من مصيبة * توقّد في الأحشاء بالحرقات إلى الحشر حتّى يبعث اللّه قائما * يفرّج عنّا الهمّ والكربات وبالجملة فحسن حال الرّجل وكونه من اجلّاء الشّيعة واشرافهم ممّا لا ينبغي الريب فيه وقد عدّه المجلسي ممدوحا فيكون من الحسان وما انصف الفاضل الجزائري حيث عدّه في الضّعفاء وانّ اعتذر بما هو اشدّ من فعله حيث قال اعلم انّ هذا الرّجل شاعر أهل البيت ( ع ) ولا يبعد استفادة مدحه مدحا يدخله في الفصل الثّانى يعنى فصل الحسان من قرائن الأحوال الّا انّى ذكرته هنا لعدم ثبوت ذلك صريحا انتهى فانّ فيه ان كون دعبل شاعر أهل البيت ( ع ) وانشاده قصيدته المعهودة ممّا تعرفه المخدّرات في خدورهنّ فكيف لم يثبت ذلك عند الجزائري ولماذا لم يراجع عيون أخبار الرّضا ( ع ) حتّى يقف على رواية مسندة ناطقة بذلك وقد أورد له أبو الفرج في كتابه الكبير من الأخبار والأشعار في مدائح الائمّة ( ع ) ومثالب بنى العبّاس وهجائهم عامّة والمأمون خاصّة ما لا يبقى معه ريب في حسن حاله ثمّ انّه ربّما عارض بعضهم ما مرّ بما رواه في العيون قال حدّثنا أبو على أحمد بن محمّد بن أحمد بن إبراهيم الهروي البيهقي قال سمعت أبا الحسن داود البكري يقول سمعت علىّ بن دعبل الخزاعي يقول لمّا حضرت أبى الوفاة تغيّر لونه وانعقد لسانه واسودّ لونه فكدت الرّجوع عن مذهبه فرايته بعد ثلث فيما يرى النّائم وعليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء فقلت يا أبت ما فعل اللّه بك فقال يا بنى انّ الّذى رايته من اسوداد وجهي وانعقاد لساني كان من شرب الخمر في دار الدّنيا ولم أزل كك حتى لقيت رسول اللّه ( ص ) قال انشدني قولك في أولادي فأنشدته قولي لا اضحك اللّه سنّ الدّهر ان ضحكت * وال احمد مظلومون قد قهروا قال فقال لي أحسنت وشفّع في وأعطاني ثيابه وها هي وأشار إلى ثياب بدنه وأجاب عن ذلك في التّكملة اوّلا بالطّعن في السّند بانّ رواتها مجاهيل وثانيا بانّ الرّؤيا ليست بحجّة فضلا عن أن يعارض بها الخبر المعتمد وامّا قوله ( ع ) من رئانا فقد رانا فانّ الشّيطان لا يتصوّر بصورنا ولا بصور شيعتنا فلا يقتضى حجيّة الرّؤيا فانّه لا يلزم من رؤية الشّخص بعينه ان يكون قوله حجّة فيما يتعلّق بالأحكام سلّمنا ولكن نمنع انّ ظاهر الالفاظ حجّة فيها كما هو حجّة في اليقظة إذ لا دليل عليه ولذلك تفسّر الأشياء بملازماتها ومناسباتها وأمثال ذلك من التأويلات البعيدة من تفسير الشّىء بنقيضه وضده ومشاكله